التواصل الثقافي والسياسي بين العرب في البيئة الرقمية.. استخدام النخب العربية لوسائل الإعلام الجديدة

طباعة 2023-09-18
التواصل الثقافي والسياسي بين العرب في البيئة الرقمية..  استخدام النخب العربية لوسائل الإعلام الجديدة

 

 مراجعة: محمد عبد الصمد الإدريسي 

 

في كتابه "التواصل الثقافي والسياسي بين العرب في البيئة الرقمية.. استخدام النخب العربية لوسائل الإعلام الجديدة" (دار غيداء/الأردن 2023)، يعود الباحث عبد الحكيم أحمين إلى ميدانه البحثي الأثير وهو مقارعة التحديات التي تطرحها الوسائط الجديدة، وذلك بعد كتابه الصادر سنة 2017 بعنوان "الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية"[1]. ومواصلة لجهوده في إثراء المكتبة العربية يحاول الباحث عبر إصداره الجديد أن يقدم إجابة تملأ فراغات كثيرة، في ما يتعلق بإشكالية التواصل الثقافي والسياسي لدى النخبة عبر وسائل الإعلام الجديدة. فالنخب العربية حسب الكتاب تعدّ "الحاضر الغائب في كل الأزمات والتحولات التي مرت بها الدول العربية، خاصة بعد الحراك العربي الذي انطلق من تونس عام 2010 ولم تفتر عزيمته بعد"[2]، وهذا ما جعله يحذّر من أن تجاهل قضية التواصل الرقمي في عالمنا العربي يعني تجاهل ما يمكن وصفه بثورة عبر التقانة والتقنيات. وهي ثورة تعِد بإعادة تشكّلٍ جذرية لمفاهيم من الأخلاقيات والسياسة والمعرفة والحقيقة.هكذا يسعى الكتاب للتعرف على طبيعة القضايا الثقافية والسياسية التي تفرضها وسائل الإعلام على الرأي العام وعلى المجتمعات العربية، وذلك بالنبش في كيف تستعمل النخب الوسائل الرقمية، وهل هناك تمايز بينها وبين باقي الناس العاديين في هذا الاستعمال، وكيف تتواصل فيما بينها من جهة، وفيما بيها وبين الجمهور؟ وهل تتقن استعمال أدوات النشر التي تتيحها وسائل الإعلام الجديدة؟ وما هي الحدود الفاصلة بين النخبة والجمهور العام في مجال التواصل الرقمي؟ وهل يستعمل الرأي العام النوعي التقنيات التي تجذب المستخدم العربي العادي من أجل تعزيز التواصل العربي؟

أرضية الربيع

ينطلق الكتاب من أن أحداث الحراك العربي وما أعقبه من تحولات أثبت أن وسائل الإعلام الجديدة لعبت دورا مهما في تحرّك الشعوب العربية للمطالبة بتعديل أوضاعها. كما أن تلك التحولات كشفت ما كان مستورا من خلافات متتالية داخل البلد الواحد وبين البلدان العربية. وهي خلافات يرى الباحث أنها تشير إلى وجود أزمة جديدة تتطلب مراجعة الذات والعلاقات عبر انتهاج عقلية تواصلية جديدة. وغنيّ عن البيان أن الشباب العربي انخرط في التواصل السياسي والثقافي عبر وسائل الإعلام الجديدة كما سجّل حضوره في الساحات، لكن التساؤلات تظل مشروعة عن الدور الذي لعبته النخبة أو ما يسميها الكتاب "الرأي العام النوعي". لقد أوحت أرضية الربيع العربي للكاتب بصياغة إشكالية مركزية للدراسة أسئلتها الأساسية: هل تساهم وسائل الإعلام الجديدة في التغلب على التحديات والعقبات واستغلال الفرص والقواسم العربية المشتركة في سبيل تعزيز التواصل الثقافي والسياسي بين الدول العربية؟ وما القضايا السياسية والثقافية التي تثيرها وسائل الإعلام الجديدة من أجل تقوية التواصل العربي؟ وما الدور الذي قام به الرأي العام النوعي من أجل تعزيز التواصل الثقافي والسياسي بين الدول العربية؟[3]

تكمن أهمية هذه الدراسة بالنظر إلى أن هناك حاجة ماسة للتعرف على حالة التواصل العربي بين الدول العربية، باستحضار أن وسائل الإعلام الجديدة أنعشت المجال العام العربي وطوّرته بأشكال جديدة من التحليل والخطابات. ويحذّر الكاتب من أن تجاهل قضية التواصل الرقمي في عالمنا العربي يعني "تجاهل ما يمكن وصفه بثورة عبر التقانة والتقنيات، وهي ثورة تعِد بإعادة تشكّلٍ جذرية لمفاهيم من الأخلاقيات والسياسة والمعرفة والحقيقة"[4].

قسّم الكاتب دراسته إلى جزأين؛ خصص الجزء النظري للتحولات الكبرى التي سبقت وسائل الإعلام الجديدة، والكشف عن الخلفيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لظهور وسائل الإعلام الجديدة، والأسس التي تقوم عليها، والتفصيل في ذلك عبر المدخل التكنولوجي الرقمي، ومدخل الإعلام البديل، ومدخل الاستخدام، ومدخل الخصائص. كما قدّم أرضية جديدة للدراسات الإعلامية وزاوية اتصالية إعلامية لمسألة التواصل، مسجّلا وجود فقر كبير في الدراسات الإعلامية المتعلقة بالتواصل. وفي الجزء التطبيقي سعى للكشف عن العلاقات الكامنة بين التنظير والتطبيق، والفكر والممارسة، والإنسان والتكنولوجيا بشكل عام، والرأي العام النوعي ووسائل الإعلام الجديدة من جهة، والرأي العام النوعي والقضايا الثقافية والسياسية من جهة أخرى.  

فجوة بحثية

اعتمد الباحث تقنية الاستبيان الذي شاركت فيه عينة من الرأي العام النوعي العربي، وحلل نتائجه حيث خلص إلى وجود فراغ كبير في البحث العلمي والنظري المنصب على هذه التطورات الحاصلة في التواصل. وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين الأشكال الجديدة التي تظهر كل حين؛ وبين محاولات فهمها ومعالجة ما تفرزه من ظواهر وقضايا تمسّ ميادين عديدة. كما أن تلك التطورات تحتاج أيضا إلى دراسات جديدة، وصياغة مفاهيم مبتكرة، وتعديل جديد في النظريات الموجودة.  وحسب الكتاب فإن هذا يبرز أكثر في السياق العربي؛ إذ إن "غالبية التنظير والاجتهادات الأكاديمية التي قدمت لفهم وتفسير الحالة الإعلامية الجديدة جاءت من المفكرين الأجانب"[5]. في المقابل يُعدّ إسهام الباحثين العرب في مجال التنظير محدودا وضعيفا في مجال الإعلام عموما، ووسائل الإعلام الجديدة خصوصا.

وحسب الباحث فإن النظرة إلى وسائل الإعلام الجديدة بشكل عام هي على قسمين كبيرين: أحدهما يهتم بالمنظور التقني مركّزا على ما يسمى بالثورة التكنولوجية ويتبنى "الحتمية التكنولوجية". والثاني ينظر إلى وسائل الإعلام الجديدة ليس بوصفها تكنولوجيا وتقنيات فقط، بل بوصفها سياقا اجتماعيا وبعدا ثقافيا وتمثلا سياسيا وامتدادا تاريخيا. وينتج عن هذا أمر آخر وهو عدم الاتفاق على مداخل كبرى موجّهة لفهم وسائل الإعلام الجديدة وتعريفها. وهو ما أرجعه الباحث إلى التطور التكنولوجي المتواصل، حيث يظهر باستمرار جديدٌ تكنولوجي متصل بالاتصال، أو بالمعلوماتية، أو بالإعلام، أو بالأجهزة الذكية، أو بالتطبيقات أو التجديدات التي تقوم بها وسائل الإعلام الجديدة. ولتجاوز المقاربات الفردية لفهم الظاهرة يقترح الباحث أربعة مداخل كبرى هي: المدخل التكنولوجي الرقمي، ومدخل الإعلام البديل، ومدخل الاستخدام، ومدخل الخصائص.

هكذا يرى المؤلف أن التواصل كما توفره الوسائط الرقمية الجديدة لم يعد عملية آلية جامدة بل يقوم على سياق اجتماعي وسياسي وثقافي واقتصادي.. وعلى شفرة تشكل قواعد مشتركة بين المرسل والمرسل إليه، وعلى مصفاة فيزيائية وثقافية وذهنية ونفسية.

انخرط أكثر للنخبة

قد لا تختلف المقاصد العامة للمستخدمين الذين اختاروا ولوج منصات الواقع الافتراضي، حيث تجمل بعض الدراسات "مقاصدَاستخدام المواقعالاجتماعيةبرمتها،فيالتعبيرالحرعنالرأي،أولًاوقبلكلشيء،والإسهامفيمناقشةقضاياالشأنالعام بماينسجمومزاجالفاعلينفيعملياتالتواصل،وكذلكفيالصراعمنأجلتشكيلالواقععبرصناعةالمعنى"[6]؛ إلا أن الفئات المنخرطة في حد ذاتها تعرف تمايزا من حيث الفئات ومن حيث نسبة الاستخدام ونوعيته.

توضح الدراسة أن نسبة الشباب هي الأكبر من بقية الفئات العمرية الأخرى، رغم أن فئة الكبار في السن عموما لا تزال ممثلة بقوة للرأي العام النوعي، حيث "حسمت هذه الفئة أمرها وانتقلت من الواقع على الأرض إلى الواقع الافتراضي، وصارت حاضرة بقوة في المجال العام الجديد"[7]. إلا أنه يسجّل أنه رغم مساهمة وسائل الإعلام الجديدة في نشر وتسهيل التواصل الرقمي، فإن مشاركة الإناث غير متساوية مع مشاركة الذكور في المجال العام الجديد. ويوصي الباحث النخبة بمختلف أنواعهم، بضرورة تنويع أشكال وأساليب تواصلهم مع النشء والشباب الغارقين في التواصل باللهجات المحلية واللغات الأجنبية وعلى رأسها الإنجليزية. وتكثيف استعمال الوسائط المتعددة (الكتابة والصور والصوت والفيديو والبيانات) في إنتاجها وتواصلها الرقمي، وأن يزاحموا مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي أو اليوتيوبرز في جميع المجالات.هكذا تصير الموازنة مطلوبة لدى النخبة في استعمال وسائل الإعلام الجديدة، بحيث لا ينغمس في ثقافة التواصل الاجتماعي انغماسا كليا، ولا يهجر تلك الثقافة وينزوي بعيدا عن الفضاء الإلكتروني، وأن يوازن أيضا بين التدوين الصغير والطويل وبين الإنتاج الفكري العميق.

وقد يلقي هذ الانخراط مسؤولية أخرى على النخبة تتمثل في ما يمكن أن نصفه في هذه المراجعة بـ "ترشيد التواصل". فبدل أن ينجرف الرأي العام النوعي العربي مع التيار العام المتابع لتفاصيل الأخبار والأحداث والقضايا الاجتماعية والسياسية والدعايات المضللة والكاذبة، فإنه "مطالب بالقيام بواجباته ومسؤولياته تجاه الدقة، والتأني، والتحليل المعمق، وكشف الغموض، والرؤية البعيدة، والقراءة الشاملة للأحداث والقضايا المطروحة في الساحة العربية"[8]. 

السياسة بدل الثقافة

 رغم ما قد يبدو من طغيان للجوانب السياسية وتقاطباتها على وسائط التواصل الحديثة، إلا أن الباحث يرى أن هناك ضرورة لينصب حضور النخبة بالتواصل السياسي أكثر من اهتمامها بالتواصل الثقافي. إذ يعتبر أن السياسة هي الداء والدواء. فإذا كانت الثقافة تهيئ جسم العالم العربي لتقبل الدواء، فإنه لا بد من تقديم وصفات وعلاجات سياسية للأمراض التي تعتري الجسم العربي. وفي خلفية هذه الخلاصة هناك قناعة لدى الباحث بأن جهات داخلية وخارجية تستأثر بالساحة العربية افتراضيا وواقعيا خدمة لمصالحها الخاصة فقط، ما يحتّم على النخبة والرأي العالم النوعي ملء الفراغ الكبير في المجال السياسي، وأن يدافعوا عن القضايا السياسية العربية، وفق أولويات واضحة. ولجعل هذه الأولوية قابلة للتنزيل والتقييم؛ يدعو الكاتب إلى العمل على إصدار تقرير سنوي يرصد حالة التواصل السياسي العربي عبر وسائل الإعلام الجديدة، مثل تلك التقارير السنوية التي تصدرها مؤسسات بحثية عربية حول التواصل الثقافي في العالم العربي.لقد جاءت توصية الكاتب بعد الاستبيان الميداني الذي بيّن أن "المجال العام الافتراضي العربي يميل إلى العمل والتواصل الثقافي أكثر منه للعمل والتواصل السياسي. وهذا ما يطرح تساؤلات عن المجال العام الافتراضي، الذي يفترض فيه أن يهتم بالشأن السياسي أكثر من غيره، وما إذا كان التواصل الثقافي مكملا أو جزءا من التواصل السياسي، خاصة أن المنطقة العربية معروفة بالتسلط أو الاستبداد السياسي، وما يجرّه من إعاقات وعقبات تعترض مسيرة المجتمعات والدول العربية"[9].   

تمظهرات الذات

 في التفاتة تقيّم نوعية حضور المرأة على الوسائط الحديثة وتستحضر الاهتمام الزائد بالأشكال والتمظهرات الذاتية، يرى الباحث أن على المرأة العربية، والفتيات خاصة، التقليل من التركيز على نشر صور وفيديوهات لهن على وسائل الإعلام الجديدة تركز على شكل الذات، والتوجه بدل ذلك للاهتمام أكثر بالأفكار والآراء والخبرات المكتسبة التي تعزز من دورهن في خدمة القضايا العربية في مختلف المجالات بما فيها المجال الثقافي والسياسي. ويأتي هذا بعد ما خلصت الدراسة الميدانية إلى أنه "كلما انخفض المستوى التعليمي لدى الإناث عن الدراسات العليا، كنّ أكثر نشرا للصور على وسائل الإعلام الجديدة"[10]، حيث توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين المستوى الدراسي ونشر الصور. كما وجدت الدراسة أن الإناث أكثر نشرًا لصورهن من الذكور. لذلك، ينوه الباحث بضرورة تشجيع المرأة على أن تقوم بأدوار مساوية لأدوار الرجل في المجال العام العربي الافتراضي، سواء بمساعدة من الرجال، أو برفع التحدي من قبل النساء أنفسهن للوصول إلى المساواة في أداء الواجبات والدفاع عن القضايا العربية مثلما يطالبن بالمساواة في الحقوق. ويسجّل أن قضية حضور المرأة في المجال العام العربي الافتراضي، مازالت تحتاج دراسات عن نوعية هذا الحضور ومستوى تواصلها وتفاعلها مع الذكور من جهة، ومع الإناث من جهة ثانية، ومع بقية الأجيال من جهة ثالثة، والمقارنة بين تلك الأشكال الثلاثة، وما مدى تأثير النخبة النسوية في الرأي العام عامة. 

ثقافة الدعاية والترويج

كثيرة هي القضايا التفصيلية التي اشتغل عليها الباحث في هذه الدراسة الجامعة بين البحث النظري والتطبيقي، لكن غايتها هو السعي نحو تقييم واستقصاء الأشكال الممكنة لحضور النخبة أو الرأي العام النوعي كما يسميه الباحث في هذا الفضاء التواصلي المفتوح الذي فجّرته الوسائط الحديثة التي لا تتوقف عن التطور يوما بعد يوم. فهي بذلك تخلق من الإشكالات كل يوم بقدر ما تخلق من الفرص. ويظل الإعلان واحدا من الديناميات الكبيرة المحرّكة لهذه الوسائط، ولذلك لا يفوت الكتاب الفرصة للالتفات إلى خطورة ما يعيش فيه المستعمل من قصف إعلاني لا يتوقف. فمن الملاحظ أن الإعلانات أضحت واحدة من المضايقات الملحوظة التي تعترض مرتادي هذه المواقع وأحيانا تدفع البعض إلى تحمل تكاليف إضافية في استعمال تطبيقات مدفوعة هربا من حمى الإعلانات التي لا تنتهي. يدعو الكاتب إلى "دراسة ثقافة الإعلان أو الدعاية أو الترويج الإلكتروني وبالخصوص لدى قادة الرأي العام العربي في المجالات الفكرية والثقافية والدينية خاصة"[11]. فهذه الخاصية التي تتيحها الوسائط الجديدة لا بد من معرفة مدى استفادة قادة الرأي والنخبة منها وتأثيراتها على النخبة والصفوة أنفسهم من جهة، وتأثيراتها على باقي فئات الرأي العام من جهة أخرى. وكذا بحث ثقافة الإعلان باعتبارها شكلا من أشكال التفاعل والتفاعلية، ومساءلة أسباب غياب قادة الرأي العام عن قوائم المشاهير ممن يجيدون استخدام هذه التقنيات.

 

 

[1]انظر: عبد الحكيم أحمين، "الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية أي دور لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية"، الطبعة الأولى 2017، دار الأمان، الرباط

[2]  عبد الحكيم أحمين، "التواصل الثقافي والسياسي بين العرب في البيئة الرقمية"، الطبعة الأولى 2023، دار غيداء الأردن، ص: 11

[3]الكتاب نفسه ص: 25

[4]الكتاب نفسه ص: 24

[5]الكتاب نفسه، ص: 223

[6] أنظر: عبد الله الزين الحيدري، "الميديا الاجتماعية المصانع الجديدة للرأي العام"، مركز الجزيرة للدراسات، يناير 2017، ص:3

[7]أحمين، التواصل الثقافي والسياسي بين العرب، ص: 374

[8]الكتاب نفسه، ص: 497

[9]التواصل الثقافي والسياسي بين العرب، ص:480

[10]الكتاب نفسه، ص: 483

[11]الكتاب نفسه، ص: 500

شارك :

التعليقات (6)

أضف تعليق