استكـتاب لـمجلة أواصر

استكـتاب لـمجلة أواصر

ملف مجلة أواصر الفكرية، العدد الخامس:

الحرية في السياق العربي

أسئلة التوطين وتحديات السلطة وتطور التقنية

 

مضى قرابة قرن على الأدبيات الإصلاحية التي انشغلت بقضية الاستبداد ومخاطره على العمران، وركزت في رؤيتها على قضية الحرية، وتلتها بعد ذلك جهود لمفكرين وعلماء حاولوا استئناف هذا النظر، ومحاولة تخليص التراث الإسلامي من الثقافة الاستبدادية، ونخل كتب الآداب السلطانية، ونقد فقه التغلب فيها، حيث ارتسم توجه إصلاحي يعطي الأولوية لموضوع الحريات السياسية ومقارعة طبائع الاستبداد.

غير أن هذا الجهد الكبير في التبشير بموضوع الحرية وتأصيلها، ومحاولة استنباط تجلياتها من التراث الإسلامي، لم يثمر رؤية تصورية لسياسة الحرية، وشكل ممارستها بين تخوم الدولة والمجتمع، فأغلب التنظير انصرف إلى تأصيل الحاجة للحرية السياسية والمدنية، حيث برز التكيف السلس مع مفردات الفكر السياسي الغربي بهذا الشأن، والتبشير بفائدة النظام النيابي وفضيلة التمثيلية السياسية، واستلهمت بشكل واسع تجارب الدول الديمقراطية في الرقابة على السلطة التنفيذية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييد سلطة الحاكم، وضمانات عدم تغول السلطة التنفيذية، ناهيك عن الحق في الوصول إلى المعلومة، وحرية الإعلام، وما يرتبط بذلك من تشريعات حقوقية تنمي قدرة الجماعة على ضبط تغول الدولة ومؤسساتها، وبشكل خاص التنفيذية منها.

ولأنّ واقع الاستبداد السياسي كان هو السمة العامة التي تطبع خارطة النظم العربية، فإن الانعطاف نحو الفكر الديمقراطي والحقوقي  شكل محور تحولات النخب الفكرية والسياسية، لاسيما التي تنطلق من أرضية إصلاحية، ولا تربطها بالأنظمة السياسية تقاطعات مصلحية، فاتجهت القوى اليسارية إلى تبيئة هذا الفكر ومحاولة تأصيله من داخل أدبياتها المرجعية، كما قام الإسلاميون بمراجعات كبيرة مست كسبهم الفكري والسياسي، واتجهت في معظمها إلى الانفتاح على مفردات الفكر السياسي الغربي، وتوطين الفكر الديمقراطي والحقوقي في المتن الفكري والسياسي لأدبياتهم الجديدة.

مع الربيع العربي، وصعود الإسلاميين إلى مربع الحكم في أكثر من دولة، أعيد طرح سؤال الحريات، ليس فقط في شقها السياسي والمدني، وإنما أيضا في بعدها الفردي، وأعيد طرح سؤال العلاقة بين العام والخاص، وحدود ممارسة الحريات، وشرعية القيود التي يمكن أن تضبط ممارستها، والمعنى الذي يأخذه النظام العام، وحدود تدخل الدولة في حريات الأفراد، بل طرحت إشكالات جنائية، ترتبط بسلطة الدولة في تكييف بعض الجرائم التي تتداخل فيها الأبعاد القانونية بالأبعاد الحقوقية،  وطرح سؤال هل يدخل ضمن صلاحيات الدولة تكييف بعض الجرائم كجرائم الفساد الأخلاقي، لاسيما بعد ظهور نزعات الانتقاء السلطوي في التعامل مع هذه القضايا، وهيمنة السياسي على مثل هذه الممارسات، التي تبدو في ظاهرها حرصا من جهاز الدولة على تطبيق القانون، لكنها في الجوهر، وبالنظر لواقع الممارسة، تستعمل كأداة سياسية في وجه المعارضين فقط؟فانطرح إشكال السلطة المشرفة على تطبيق أشكال تنظيم وتقييد الحريات ومعايير التطبيق، وهل يخضع لاعتبارات موضوعية؟ أم تحكمه اعتبارات السياسة والانتقام من الخصم السياسي؟

لم يسلم الجدل حول موضوع الحريات من نزعات التسييس، واتهام أطراف بالتضييق على الحرية، أو حمل رؤية تناكفها وتحاول فرض نموذج جاهز على المجتمع، لكنها في الجوهر-وبالنظر إلى واقع الممارسة-فواقع الحريات بعد سقوط بعض أنظمة الاستبداد، وقبل خريف الديمقراطية، كان أفضل بكثير مما كان عليه في المرحلتين.

لكن، مع ذلك، ظهرت إشكالات فكرية ترتبط بتصورات فاعلين سياسيين لموضوع حرية الإعلام، وقضية التعددية الثقافية والفنية واللغوية، وهل الإرادة الشعبية وحدها كافية لفرض اختيارات ثقافية وفنية ولغوية لا تعكس التعددية الموجودة في المجتمع؟ وهل دور السلطة المنبثقة من صناديق الاقتراع يتمثل في تنظيم هذه التعددية وضمان حكامة القطاع وشفافية تدبيره، أم تأميم الثقافة والفكر والفن، وإعادة توجيه لخدمة رؤية ورسالة معينة؟

كما تفجرت في خضم التدافع السياسي العلماني الإسلامي نقاشات أخرى، لا تقل أهمية حول موضوع الحرية، تتعلق بحدود الالتقاء في مجال ممارسة الحرية بين الفضاء العام وبين الفضاء الخاص، وما يندرج ضمن الحريات الشخصية التي يتطلب تأصيلها وحمايتها ما دامت في فضائها الخاص، وبين الحريات الفردية التي يحاول البعض نقلها إلى الفضاء العام وشرعنة التطبيع معها. كما تفجرت إشكالات أخرى مرتبطة بالحياة الخاصة للشخصيات العمومية، وما إذا كان هؤلاء يملكون فضاء خاصا، أم الطابع العمومي لخدمتهم يجردهم من هذه الحياة بالكامل، ويجعلها عرضة للاستباحة؟

لم تتوقف إشكالات الحرية عند هذا الحد، فمع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، تفجر النقاش بشكل جدي داخل الأوساط الغربية، عن حماية الخصوصية والحميمية، وسلطة القانون في كبح جماح التقنية، وعجز التشريعات عن مواكبة التطور المهول في التقنيات التي تردم كل المعادلات والتفاهمات القديمة حول مفهوم الحرية وتقييدها وتنظيم ممارستها. فمع انتشار مظاهر الثورة التقنية، لم يعد التنظير الفكري لموضوع الحرية قادرا على المواكبة، بل لم يعد ارتهانه بالمعادلات القديمة قادرا على التعاطي مع المعضلات الجديدة.

ضمن هذا السياق المعقد الذي وضع فيه مفهوم الحرية، وضمن سياق سياسي، لا يزال محكوما بمنطق الاستبداد واستهداف الحريات، وضمن تحولات تقنية وقيمية، انتهت في اتجاهاتها إلى المس بأخص مكونات الحرية، وهي الحق في الخصوصية والحميمية، وبالنظر لأشكال تعاطي النخب الفكرية والسياسية مع هذا الواقع، وأنماط توظيف المشروع السلطوي لمعطياته، لدعم مواقع وتوسيع قاعدة مشروعيته، تطرح مجلة أواصر هذا الملف للنقاش لمواكبته، ورصد إشكالاته، واستشراف مآلاته وتفاعلاته، والمساهمة في التأطير النظري له من خلال المحاور الآتية:

  • المحور الأول: الحرية في الأدبيات الإصلاحية: مسار التأصيل وحدود الرؤية.
  • المحور الثاني: سؤال الحريات السياسية والمدنية في الواقع العربي والمغاربي.
  • المحور الثالث: خطاب الحرية في أدبيات الحركات السياسية والتيارات الدينية.
  • المحور الرابع: الإرادة الشعبية ومدى حرية النموذج الثقافي للمجتمع.
  • المحور الخامس: الحرية بين المجال العام والفضاء الخاص: أسئلة الهوية والحداثة.
  • المحور السادس: الحريات والتحولات الرقمية.

أواصر - مجلة فكرية فصلية

www.awasr.com