استكـتاب لـمجلة أواصر

طباعة 2018-09-19
استكـتاب لـمجلة أواصر

ملف مجلة أواصر الفكرية، العدد السادس:

 

الثورات العربية

 

 استأثرت الثورات العربية بكم هائل وربما غير مسبوق من الدراسات العربية والغربية والشرقية، ورغم تنوع الكتابات في الموضوع وتعدد زوايا النظر إليه، فإن بعضها اختار مقاربات وقائعية منغلقة أو أيديولوجية متعصبة طغى عليها الاختزال والانطباع، فيما انحازت توجهات بحثية أخرى إلى مقاربات تحليلية ونسقية مركبة بأدوات العلوم الاجتماعية، فانعطف بعضها إلى تفسيرات سوسيوسياسية، فيما حاولت توجهات أخرى بناء نماذج تكاملية متوازنة تدمج بين علم السياسة وعلم الاجتماع وبين الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية وعلوم الاتصال، فضلا عن الانشغال البحثي المعمق لدراسة كل حالة ثورية بعينها محاولة تقديم معرفة مركبة حول تعقد الظاهرة واختلاف مسارات الربيع العربي وتباين مآلاته ونتائجه.

لقد غطت هذه الدراسات تقريبا مختلف الحقول المعرفية، فانطلقت ابتداء من حقل العلوم السياسية بالتركيز على سؤال موقع الثورات ضمن مسار الانتقالات الديمقراطية في العالم التي وصلت موجتها الثالثة بنهاية دكتاتورية البرتغال سنة 1974، وهل شكل الربيع العربي الموجة الرابعة منها؟ فتم التوقف على طبيعة الثورات العربية وخصائصها وأسبابها، كما تم التركيز على أنماط الخطاب السياسي وسلوك التيارات السياسية ومواقفها، وشكل الفعل السياسي وعلاقته بالأحزاب السياسية، وما إذا كان يمثل نمطا جديدا من السياسة تعدى النخب السياسية التقليدية واستراتيجيتها في المعارضة أو المشاركة أو الاحتجاج؛ في حين اهتمت الدراسات السوسيولوجية بمقاربة مكونات الفعل الاحتجاجي والأجيال التي تعبر عنه والعلاقات الرابطة بينها، وهل يعبر الحراك الديمقراطي العربي عن بروز حركة اجتماعية احتجاجية جديدة؟ وما هي الخصائص التي تحملها، والتحولات التي عرفتها بالقياس إلى الحركات الاحتجاجية التي قدم التراكم البحثي والأكاديمي معطيات تحليلية مهمة عنها؟

 كما نشطت الدراسات الإعلامية في مقاربة الثورات -مهتمة في البدء-بطبيعة الجيل الذي يقود الثورات وعلاقته بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مركزة بعد ذلك على سؤال أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الفعل الثوري والتغيير السياسي، وهل كانت هذه الوسائل الحديثة عوامل حاسمة أم مجرد أدوات مساعدة على تحدي واقع التحكم السياسي وانسداد النسق؟

غير أن الأمر لم يقتصر على هذه الحقول فقط، بل تعداها إلى الدراسات المعنية بالعلاقات الدولية ورصد وتحليل السياسات الخارجية المؤثرة دوليا وإقليميا، فتم الانطلاق أولا من سؤال التوجيه الغربي للأحداث، والمقاصد التي تحكم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي من التعاطي مع الثورات، ثم تحررت تدريجيا بعض المقاربات من منطق التآمر إلى تحليل أثر الربيع العربي على صياغة نظام دولي جديد بأقطاب متعددة، تحكمه موازين قوى جديدة، وتبرز فيه أحيانا محاور إقليمية جديدة تتصارع في دول الربيع العربي برهانات سياسية وتدخلية. بل تعدى الأمر ذلك، إلى الدراسات الاقتصادية التي راحت تبحث عن دور المعامل الاقتصادي في تفسير الحراك الثوري، وعجز المشاريع التنموية عن الاستجابة لمتطلبات الاندماج الاجتماعي والعدالة المجالية، أمام ظهور أشكال من اقتصاد الريع والزبونية والامتيازات، وتعمق الفجوة بين قدرة الدولة على الاستجابة، وتوسع الطلب الاجتماعي.

وإلى جانب هذه الدراسات، تكثفت استطلاعات ومؤشرات رأي كثيرة حاولت أن تدرس جوانب مهمة من الظاهرة الثورية العربية، بالتركيز على اهتمامات الشباب العربي، وأولوياته، وأيها يحظى عنده بالاهتمام: القضايا السياسية أو الاجتماعية، الدولية أو المحلية، القضايا المعاشية أم القضايا الوطنية، فضلا عن محاولة تغطية مزاج الرأي العام العربي بخصوص مؤشرات الثقة في المؤسسات، وتمثلاته للعلاقة بين الدين والسياسة، ومواقفه اتجاه السياسات الخارجية لعدد من القوى المؤثرة دوليا وإقليميا، فيما تحولت بعض الاستطلاعات إلى أدوات سياسية، بيد  بعض الدول  المحسوبة على محاور إعاقة التحول الديمقراطي العربي، تستعملها لترجيح كفة الاستقرار على مجاراة منطق التحولات  السياسية والإصلاحات الديمقراطية.

والواقع أن هذا الكم الهائل من الدراسات المتعددة في موضوعاتها وحقولها المعرفية، توقفت نسبيا جذوتها مع مناخ الردة الديمقراطية والموجة المضادة للانتفاضات العربية، وبقيت محصورة في رصد وتحليل أدوار الإسلاميين في التجارب التي اختارت التوافق والشراكة (تونس والمغرب)، مع التركيز على الأبعاد الاستراتيجية في كل من ليبيا وسوريا، وتضخيم المعطى الأمني، ليظل التعاطي البحثي للثورات العربية وآثارها في هذه المرحلة محدودا، إلى أن جاءت موجة ثانية من الحراك الديمقراطي في التجربة السودانية والجزائرية، ليعاد طرح السؤال من جديد عن الظاهر والكامن في الثورات العربية، وما إذا كانت تشكل موجات تراكمية، تأخذ نضجها وعمقها في شروط الزمن، أم أنها خطوط صاعدة، اضطرت في سياق ممانعة ومقاومة الاستراتيجيات الدولية والإقليمية المعيقة إلى إنتاج آلياتها التكتيكية في أفق استعادة المبادرة من جديد؟

وفي سياق الرصد البحثي التراكمي للثورات العربية، يحاول هذا الملف، أن يعيد طرح سؤال الثورات من جديد، لكن ضمن منظور تحليلي، يسعى إلى التركيز على ظاهرة الموجات والتحولات التي تخترقها، من خلال:

- النظر إلى طبيعة الثورات وعلاقتها بالحلم الديمقراطي، وما إذا كان من الممكن القول بأن شروط الموجة الرابعة من الانتقال الديمقراطي في صيغته العربية قد اكتملت أم هي بصدد استجماع عناصر النضج والرشد والاكتمال.

- طبيعة العلاقة بالفاعلين، وما إذا كانت رؤيتهم الفكرية والسياسية تواكب هذه التحولات وتستبقها وتتكيف مع رهاناتها، وتستشرف مواقعها وأدوارها الجديدة، وهل يؤشر استمرار الزخم الثوري على موجة جديدة من الإسلاميين وأيضا من الحركات الاجتماعية، بمعالم وخصائص ورهانات جديدة؟

- شكل العلاقة بتطور النظام الاقتصادي الدولي والمحلي، وبروز أشكال من الاختلال في النموذج التنموي، يعصف بأنظمة الحماية الاجتماعية، ويتجه بالعالم جميعا نحو موجة جديدة من الاحتجاجات والحركات الاجتماعية ترفض العودة إلى الرأسمالية في صورتها المتوحشة التي ظهرت بها قبيل اضطرارها لمناورة نقيضها الاشتراكي، بخلق أنظمة اجتماعية حمائية تمنع أوربا من السقوط في الموجة الاشتراكية.

- علاقة الموجات الانتفاضية بالتحولات التي عرفتها السياسات الخارجية، والتناقضات التي برزت على أكثر من منطقة، بالشكل الذي أصبح يؤسس لمنطق جديد في بناء السياسة الخارجية، لا يعتمد منطق دعم الأنظمة أو دعم التحولات السياسية، أو منطق حصار القوى الإقليمية الصاعدة، كما كان الأمر من قبل، بل يعتمد معادلات جد معقدة، تضيق مساحات وتوسع من أخرى لفائدة المشروع الإصلاحي الديمقراطي. 

- علاقة الحركات الاحتجاجية بأدوار وسائل التواصل الاجتماعي، مع ظهور موجات جديدة من التقنية الرقمية، وأجيال الاتصال، والصراع الدولي حول الهيمنة على مجال الأمن السيبراني.

يقصد هذا الملف إذن، دراسة الثورات العربية، في سيرورتها وخطوطها ومآلها وبعدها الاستشرافي، ومحاولة التوقف عند الموجات التي يعرفها الانتقال الديمقراطي، والتحولات التي يعرفها أهم الفاعلين السياسيين (الإسلاميون، العلمانيون، الحركات الاحتجاجية)، والموجات التي يعيشها النظام الاقتصادي في الوطن العربي، فضلا عن الموجات التي تشهدها التقنية والاتصال وآثار ذلك وتداعياته المحتملة على مستقبل الثورات العربية. وهي بذلك فرصة تاريخية للباحثين والمثقفين لمساءلة المفاهيم التقليدية والنظريات السائدة في فهم تحولات الدولة والمجتمع بالمنطقة العربية والمغاربية، وأيضا لتجديد أدوات التحليل السياسي وإبداع نماذج تفسيرية تغني التراث العالمي في النظرية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى إغناء تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم من منظور سياسي ومعرفي حضاري.

المحاور المقترحة للملف:

1- الثورات العربية: الموجة الرابعة من الانتقال الديمقراطي في سياق التشكل والنضج.

2-  الإسلاميون: نهاية دور وتجربة، أم موجة جديدة من التحول للتكيف مع أدوار قيادية للانتقال نحو الديمقراطية في العالم العربي.

3-  تحولات السلفيين: هل تهيمن المدخلية أم تبرز في الوطن العربي موجة جديدة من السلفيين تعيد بناء تحالفاتها مع التيارات الوطنية والإصلاحية لتحقيق الحلم الديمقراطي؟

4- العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين في السياق الثوري وما بعده وأثرها على مستقبل الانتقال الديمقراطي.

5- المؤسسة العسكرية والانتقال الديمقراطي: أشكال التفاعل مع القوى الديمقراطية ونوعية الاستجابة لمطالب الثورة، وحدود العلاقة بين الجيش والسلطة.

6- الحركات الاجتماعية: هل تترسخ الخصائص التي ظهرت بها، أم تبرز موجة جديدة من الحراك الاجتماعي؟

7-  الأجيال الثورية: هل تكتفي بترسيم منطق تجاوز النخب السياسية؟ أم تعلن عن موجة جديدة، قادرة على القيادة والتحالف مع القوى السياسية؟

8- التحولات الاقتصادية الداخلية: هل يؤذن فشل المشاريع التنموية العربية عن نموذج تنموي جديد متكيف، أم يغذي موجات جديدة من الحراك الثوري؟

9- التحولات التقنية والرقمية: هل تستثمر بوصفها أدوات تعبوية لخدمة الزخم الثوري؟ أم تعلن عن موجة جديدة واعية بحدود الاختراق الأمني السيبراني؟

10- التحولات القيمية: هل تؤثر أزمة القيم على مستقبل الثورات فتسهل عملية تفكيكها واختراقها وتحريف اتجاهها، أم تظهر موجة جديدة من التصالح مع القيم تدعم الزخم الثوري وترشده وتحصن مساره؟

آخر أجل لاستلام المقالات والدراسات: 30 يوليوز(تموز) 2019.

ترسل المساهمات إلى البريد الالكتروني للمجلة:

info@awaser.ws

شارك :